اطلق ميشيل فوكو اطول ضحكة في تاريخ الفلسفات في العالم حين قرأ موسوعة الحيوانات الصينية التي وضعتها وصنعتها العبقرية البورخسية التي لا تضاهي، كانت ضحكته دون شك هي الاكثر عنفاً وصخباً من بين جميع الضحكات التي سببتها الفلسفات الساخرة والمتهكمة في التاريخ، لا لشيء الا لان هذه الموسوعة الغريبة التي تنطوي على خيال فذ تقسم الحيوانات الصينية بموجبه على هيئة مجاميع مختلفة بالنوع وبالرتبة ايضاً، فهنالك حيوانات يملكها الامبراطور وهنالك حيوانات محنطة، هنالك حيوانات داجنة وهنالك خنازير رضيعة، هنالك جنيات البحر وهنالك حيوانات مائية، هنالك حيوانات خرافية وهنالك كلاب طليقة، هنالك حيوانات تدخل في هذا التصنيف وحيوانات لا تدخل.. ولكن ما هو اهم في كل هذه الموسوعة، هي: الحيوانات التي تهتاج كالمجانين، والحيوانات التي لا تحصى، والحيوانات المرسومة بريشة دقيقة من وبر الجمل، والحيوانات التي كسرت الجرة لتوها، والحيوانات التي تبدو من بعيد كالذباب.
ان ما اضحك فوكو حقيقة وواقعاً هي هذه الامكانية الخيالية والفنطازية التي تتمتع بها الموسوعة الصينية على ضم كائنات خرافية مختلفة في رتبة واحدة، والكيفية التي تجمع بها هذه الموسوعة الكائنات الحقيقية مع الخرافية في مكان واحد، اما المشكلة الحقيقية في المنطق فتكمن بالتأكيد في (حرف العطف) (الواو)، ان هذا الحرف السحري، الذي يوضع على الدوام بين اثنين متشابهين او غير متشابهين هو الذي يجعل هذا التشابه امكاناً والتجاور حقيقة، وبذلك تحصل هذه الفوضى والعربدة الفكرية والثقافية والاجتماعية، انها تحدث بسبب الضم والجمع والتشابه الممكن وغير الممكن، تحدث بسبب هذه القدرة الخيالية على ادراج وتدجين ما لا يدجن على أرض الواقع في رتبة لغوية، ثم تبدأ هذه الامكانية اللسانية، او القدرة كما تسميها اللسانيات على طرح النموذج وتصديقه وشرعنته ودفعه ليكون حقيقة الا امكانا وواقعاً لا مجازاً.
ان موسوعة الحيوانات الصينية تشبه الى حد كبير موسوعة الحيوانات الستينية في العراق، ففي التسعينيات انفجر طوفان من الكتابات والسير والمذكرات لشعراء عاشوا وكتبوا في عقد الستينات، وعدوا انفسهم مجموعة واحدة وتياراً واحداً، وخانة تصنيفية متميزة، وحاولو طرد من شاؤا من هذه الجنة - الخانة التي صنعوها بأنفسهم لانفسهم، لقد تحولت السيرة الى حقيقة، والخطاب الى واقع، والعقد الى خانة، ولم يدرك اي واحد منهم ان ما كتبوه هو نوع من التمثيل السردي، خاضع لانشباكهم الشخصي ومصالحهم وعواطفهم وتصوراتهم، والدليل على ذلك كان لكل واحد منهم تصوره المختلف عن تصور الآخر في حادثة واحدة، بل تعددت الروايات في الحداثة الواحدة وتناقضت، وتضاربت السير فيما بينها وتخاصمت، وبرز الكذب والادعاء والدجل بكل انواعه.. وكان كل واحد منهم يدافع عن تمثله هو للحقيقة لا الحقيقة ذاتها، لقد تم تحويل الواقعة الماضية الى خطاب له خصائصه الكتابية ولا علاقة له بالواقع الاصلي، فالسيرة هنا هي فن.. مثل أي فن آخر، هي كتابة... هي تحول الذكرى عن الواقع الى خطاب يتصف بالخطية.. ونبدأ بتسجيله من اليمين الى اليسار، ولا يمكن ان نتابعه إلا بشكل متعاقب، ويمكننا ان نتوقف عنه في اللحظة التي نشاء، هذه الفرضية تجبرنا ان نقول ان كل عمل فني هو خطاب.. ولا علاقة له بالخدعة الذهنية والسيرية الشخصية البحتة التي ارادتها بعض الجماعات بديلاً عن التاريخ الثقافي.
في الواقع ان ما اضحك فوكو فيما مضى يضحكنا اليوم وبقوة، تضحكنا قدرة هذه الجماعة التخييلية على تأليف وحشر ودمج مجموعة غير محددة من الشعراء في رتبة واحدة، وفي صنف واحد، وتحت «ليبل» واحد، مثل قنينة العصير... ويحق لنا ان نتساءل مثلاً:
ما الذي يجمع الاميبيات والنحليات والعنكبوتيات في خانة واحدة اسمها حشرات غشائية الاجنحة، ما هو مجال الهوية والتشابه والقياس الذي يجعل شاعراً مع آخر في خانة واحدة، أي معيار قادر على عزل او ضم الشاعر الذي يكسر الجرة لتوه والشاعر المرسوم بريشة من وبر الجمل؟ كيف يمكننا ان نقيم تنظيماً وتوزيعاً مراتبياً تحت اسم يشير الى هذه التشابهات والتقاربات والتحالفات.
ان الخرافة الستينية ان جاز التوصيف تقوم في الغالب على الحصرية والنظرة التقليصية والروح الخانجية القادرة على اختراع التشابهات وتوحيد الاختلافات ومحو التنافرات لتصل الى صورة مسطحة تضم طبقاً الى حرف العطف الشاعر... والشاعر... والشاعر... ولا فرق بين القيمة والقيمة الاخرى، بين الذات والذات الاخرى، بين هذه القطة وتلك، فإذا كانت القطة تشبه القطة والمواء ذاته، وربما كلتاهما سياميتان او شيرازيتان ولكن هذه قطتي وتلك قطتك، فهذه تصطاد الفئران في القبو وتلك تنام قرب المواقد، ربما تختلف القطة عن القطة قدر اختلاف القطة عن جنيات البحر، وتختلف فيما بينها قدر اختلافها عن الحيوانات التي تهيج كالمجانين، واذا كان الملفوظ وحدة لا تتكرر إلا اذا استعدنا السياق ذاته والزمان ذاته والمكان ذاته على حد توصيف بنفنيست، وحتى لو تحقق هذا فإن النطق يختلف من فاعل متكلم (Le sujet Parlant) الى آخر، وبالتالي من المستحيل ان نستعيد الواقعية التواصلية ذاتها، وهكذا فإن القصيدة تختلف عن القصيدة الاخرى حتى اذا كان الشاعر نفسه، حتى اذا كان المعنى ذاته، مهما كانت الظروف.. فكيف يمكننا ان نجمع هذا الشاعر مع ذاك الشاعر، كيف نجمع هذا الشاعر بالشوارب مع حليق الشوارب، كيف نجمع الاصلع مع الخنافس، السمين مع النحيف، كيف نجمع هذا مع ذاك.. هذه الوحدات.. في كل ذات لا توجد وحدة تكوينية تشبه وحدة تكوينية اخرى، وهكذا كان دو فيجينير يصرخ:
يا الهي انا في كل لحظة غيري.
اذن كيف تم هذا الحصر، ومن أين جاءت هذه الروح الخانجية والروح التصنيفية والتقليصية، من أين جاءت هذه القدرة التدجينية على الرضوخ الى القطيع، من أين جاءت هذه الفكرة التي خدعتهم وجعلتهم ينضمون مثل قطيع في خانة تصنيفية قائمة على عقد من السنوات.